ثقافة

مسلسل أم الدراهم

مسلسل أم الدراهم

وكالة أنباء كل العرب APA: ممنوع من العرض؟ أم أجهض لحسابات شخصية؟ 

د.مؤيد حمزة

دكتور في الفنون الدرامية.

فوجئ الوسط الفني في الأردن بقرار رفض التلفزيون شراء مسلسل أم الدراهم، وعرضه في الدورة الرمضانية لعام 2021 على الرغم من أن التلفزيون قام ولمدة أيام بالترويج للمسلسلات التي سيقوم بعرضها خلال الشهر الفضيل، ومن بينها مسلسل أم الدراهم قبل أن يصدر قرار رفض المسلسل قبل موعد عرضه بيومين، وبعد أن تمت الموافقة عليه من قبل اللجنة الفنية المختصة بإجازة الأعمال الفنية الدرامية، ليظهر التساؤل التالي: ما الذي دفع القناة لتشكيل لجنة أخرى تخرج بتوصية “عدم قبول عرض مسلسل أم الدراهم بعدما تبين أنه ضعيف إنتاجيا وضعيف على مستوى المعالجة الفنية اي ضعيف اخراجيا” كما جاء في بيان التلفزيون الأردني؟ ولماذا لم تكتف إدارة التلفزيون بقرار اللجنة الأولى حسب الأصول، والذي أوصى بعرضه؟ 

النقابة ممثلة بنقيبها قررت الصمت، طبعا قرار الصمت لم يتخذ من قبل مجلس النقابة بل يكفي أن يقرر النقيب عدم طرح الموضوع على المجلس حتى يتقرر الصمت. لكننا لن نتطرق إلى هذا الأمر في مقالتنا هذه. 

اشتد الجدال وخرجت مجموعة من الفنانين للاعتراض على القرار وعلى بيان النقابة وضاعت الحقيقة في أعين المراقبين، حتى المختصين منهم ما بين إدارة تلفزيون تصر أنها تعاملت بمهنية، وأنها احترمت قرار اللجنة، دون أن تفسر عدم احترامها لقرار اللجنة الأولى، وما بين مجموعة من الفنانين الجديرين والذي يتمتعون بمصداقية أمام جمهورهم وزملائهم والذين يصرون على أن مستوى العمل مقبول وأنهم قدموا أفضل ما يمكن تقديمه في ظل ميزانية محدودة، لدرجة أنهم جميعا وبدافع حب العمل والحرص على عدم تفويت فرصة اللقاء مع جماهيرهم قرروا القبول بالعمل بأجور لا تحاكي أجورهم الطبيعية. 

بدأ شهر رمضان وتابعنا ما تم تقديمه على شاشة التلفزيون الأردني من أعمال أردنية محلية تباهى بها بيان التلفزيون وأكد جودتها قائلاَ: “علما أن جميع الاعمال التي تم شراؤها تعالج قضايا وطنية وتحمل في ثناياها رسائل موضوعية هامة وبسقف عال” وتوالت عرض حلقات المسلسلات التي تحدث عنها التلفزيون لـنفاجأ بمستوى فني متدني على مستوى النص والإخراج والإضاءة والتصوير والصوت، فكانت النصوص خالية من أي فعل درامي وكان الإخراج ينزع إلى تسريع عملية الانتاج دون إي اعتبار لجماليات السينماتوغرافيا والميزانزسين الفيلمي، ولا علاقة للمخرج بإدارة عمل الممثل.

الأمر الذي جعلنا نتساءل هل يعقل أن يكون مسلسل أم الدراهم أسوأ مما يعرض؟ توجهت بسؤالي إلى مخرج العمل وإلى الفنان ساري الأسعد لأفاجأ برد غريب من نوعه: وهو أن يعرضوا علي مشاهدة حلقتين من المسلسل لأحكم بنفسي .. لأحكم بنفسي فقط وذلك لأنهم يعرفون أن إقناعي مسألة ليست بالسهلة حقيقة في ضوء الضعف الفني العام الذي أتابعه منذ سنوات في مستوى الأعمال التلفزيونية الأردنية. وها أنا الآن أفاجئهم بكتابة انطباعاتي كمختص بالفنون الدرامية، بعد مشاهدة الحلقتين من مسلسل أم الدراهم. 

مسلسل أم الدراهم يعتمد على المواقف الكوميدية المبنية بشكل كاريكاتوري، فشخصيات المسلسل كاريكاتورية بحتة بعيدة كل البعد عن الواقعية الفنية، شكل فني يشبه عملية تحويل الكاريكاتورات إلى مسلسل درامي، في حالة أم الدراهم اعتمدوا على مواقف كوميدية مقتبسة عن مشاهد مشهورة في أعمال عالمية مثل مهاجر بريسبان ومحاكمة شايلوك في نص تاجر البندقية وغيرها من نصوص درامية عالمية كما لاحظت في الحلقتين، لكن تم تقديمها في قالب غروتسكي يعتمد البارودي أي المهزلة الكوميدية المبالغ فيها والمحبوكة بشكل فني. مثل هذه المعالجات الدرامية رأيناها في أعمال مشهورة سورية عرضت على مختلف القنوات العربية، وهو شكل فني جديد على الدراما التلفزيونية الأردنية وكان من الممكن أن يشكل نقلة نوعية يفترض بها أن تولد المزيد من الأعمال. وعملية إجهاض المسلسل بهذا الشكل، تضع علامة (قف) بوجه محاولة الخروج من صندوق الدراما التلفزيونية الأردنية الذي تقبع فيه منذ السبعينيات. 

المعالجة كاريكاتورية وليست واقعية وشحصياتها كما أسلفنا كذلك، وبالتالي فلا يجوز محاكمة العمل على أنه عمل واقعي ووصف هذا النوع من الكوميديا بأنه “لي لعنق النص لهدف الإضحاك”- كما جاء في بيان التلفزيون، هو وصف غير دقيق ويشير إلى جهل بأساليب الكوميديا وأشكالها عبر العصور. 

فيما يتعلق بالإخراج نزع المخرج إلى تنويع اللقطات حتى داخل المشهد الواحد، تنويع يشمل حجم اللقطات وزوايا التصوير وحركة الكاميرا حتى أنه استخدم كاميرتين وشاريوه لتمكين الكاميرا من إضافة طابع الحركة على المشهد، ما يشير إلى عناية خاصة في اللغة السينمائية. الأمر الذي غالبا ما يتم إهماله في الأعمال التلفزيونية الأردنية بشكل خاص حيث لا يسمح ضيق الوقت المتاح لأي مخرج أن يعتني بهذا النوع من الجماليات السينماتوغرافية. الاهتمام بالتفاصيل لم يقف عند مرحلة التصوير فقط بل وانتقل إلى مرحلة مابعد الإنتاج (المونتاج) فيظهر بجلاء أن هناك عناية خاصة في ضبط اللون وتصحيحه والعناية بجودة الصورة وتوحيد الجو العام لها. وهو أمر عادة ما يستغني عنه معظم المخرجين الذين يعملون لإعداد أعمال رمضانية تحت ضغط ضيق الوقت وعدم توفر موارد إنتاجية. 

أما فيما يتعلق بالتمثيل وهذا ما أثار انتباهي بشكل خاص حيث لاحظت الكثير من التجديد والخروج مما يسمى بقائمة الأدوار التي ارتبطت ببعض الزملاء الفنانين، فها هو أنور خليل على سبيل المثال يقدم شخصية كوميدية مصممة بشكل كاريكاتوري فيظهر قدرات تمثيلية لم نشاهدها من قبل في أي من أعماله، ليس لأنه طور من قدراته بل لأنه وببساطة شديدة لأول مرة يقدم شخصية مكتوبة بهذا الشكل، وكذلك فعلت الفنانة ديانا رحمة والفنانة ياسمين الدلو وعلي عليان، وآخرين كثر لن يسع المقال لذكرهم. لكن المحزن الذي أثار انتباهي بشكل خاص أن يحرم الفنان من فرصة تقديم نفسه بأسلوب مختلف ومن خلال شخصية لم يقدم مثيلا لها من قبل.. لا أضع نفسي في موضع تقييم أدائهم الذي استمتعت به، ولكني أعتقد جازما أن من حقهم عرض إبداعهم لجمهورهم حيث الحكم والمقيم الحقيقي. ومن حقهم أن يتركوا وثيقة تسجل أنهم امتلكوا قدرات كامنة لم يحسن الإنتاج التلفزيوني استغلالها من قبل. 

 

منع المسلسل بهذا الشكل أثار الكثير من الشبهات حيث برزت تعليقات في وسائل التواصل الاجتماعي إلى أن هناك أسبابا سياسية وراء المنع، ما عرض سمعة الفن في الأردن لضرر كبير حيث يعاني الفنان الأردني عند محاولة إقناع زملائه العرب أنه لا يوجد رقابة في الأردن، وأن الرقابة فنية بحتة فقط، منع المسلسل أثار الكثير من التعليقات المسيئة حتى أن بعضها أشار إلى أن (سورية نفسها ورغم ظروفها فيها حرية رأي أكثر من الأردن)، طبعا التعليق مضحك لمن يفهم أن في سورية يتم توظيف الفن لغرض التنفيس بشكل خاص. 

بيان التلفزيون كان ضروريا للتأكيد على أنه لا يوجد أي سبب سياسي لمنع عرض المسلسل لكنه عجز عن إثبات ضعف العمل فنيا بالوقت نفسه، ما يؤكد أن أسبابا لا علاقة لها بالفن ولا السياسة وقفت وراء قرار المنع. ومن هنا يحق لي أن أتساءل كمواطن أردني يدفع ضريبة إجبارية للتلفزيون الأردني، قبل أن أكون مختصا بالفنون الدرامية، لماذا يتوقف عرض أفضل إنتاج درامي تلفزيوني محلي لعام2021، ولماذا يحرم زملائي الفنانين من فرصة عرض مسلسل شكل بالنسبة لهم نقطة تحول في مسيرتهم الفنية، ولمصلحة من يتم إجهاض هذه التجربة؟  

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »